محمد ابو زهره

533

خاتم النبيين ( ص )

والأمر الثالث - أنه كانت ثمة عير لقريش على أهبة القدوم ، ولعل هذا هو الباعث على السرية ، ومهما يكن من أمر هذه الرواية التي اتفق عليها إمامان من أئمة الحديث ، فإن الأمر الذي أشارت إليه تلك الرواية هو أن السرية سارت بإمرة عبد اللّه بن جحش ، ولكن الذين كانوا فيها على رواية ابن إسحاق كانوا ثمانية ولم يكونوا مائة ، وقد عدهم بأسمائهم ، وكانوا من المهاجرين ، ولم يكن أحد من الأنصار ، كشأن كل البعوث والغزوات التي سبق ذكرها ، ولعل هذا العدد المحدود . قد قرره النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بعد أن رأى الاختلاف ، ولعل عدد المائة كان من أسبابه ، وكلما قل العدد بعد الاختلاف ، وفي الفرقة الهلاك كما قرر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . على أن النص لا يدل على قصر العدد على ثمانية ، إنما يدل على أن فيهم هؤلاء المذكورين مع عدد ليس بالقليل ، وقد ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كتب كتابا لعبد اللّه بن جحش أمير السرية وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ، ثم ينظر فيه ، فلما ساربهم يومين فتح الكتاب ، فإذا فيه : إذا نظرت في كتابي . فامض حتى تنزل نخلة بين مكة المكرمة والطائف فترصد بها قريشا ، وتعلم من الناس أخبارهم ، فلما نظر في الكتاب ، قال : سمعا وطاعة ، وأخبر أصحابه بما في الكتاب ، وقال قد نهاني رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن أستكره أحدا منكم ، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق معي ، ومن كره ذلك فليرجع ، فأما أنا فماض . وإن هذا التخيير يدل على أن العدد لم يكن ثمانية ، وإلا ما كان ذلك التخيير ، فإنه لا يكون إلا في عدد كبير ولو نسبيا ، ولا يمكن في العادة أن يكون في ثمانية . ولعل ذلك التخيير ، ما كان من قبل الافتراق ، إذ قد يكون سببه وهنا في بعض القلوب ، فأراد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ألا يسير إلا من اعتزم وأراد ، واستولى على قلبه ، وذهب عنه الوهن أو احتماله . سارت السرية بإمرة أميرها ، سالكة طريق الحجاز . ولكن ضل عنهم سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان وكانا من الثمانية المقدمين ، وكان معهما بعير يعتقبان في ركوبه « 1 » . ولكن القافلة سارت ، وكان رجاء في أن يهتديا إليها . مضى عبد اللّه مع من بقي من أصحابه ، حتى وجد عيرا فيها من قريش ومواليهم الحضرمي ابن عبد اللّه بن عباد ، وعثمان بن عبد اللّه بن المغيرة المخزومي ، وأخوه نوفل ، والحكم بن كيسان مولى المغيرة بن شعبة .

--> ( 1 ) هنا كلام ناقص ولعله سقط في الطبع أثبته من كتب السيرة « فند ، فتخلفا في طلبه ثم لحقا بالقافلة » . . . المراجع